الشيخ الطبرسي

429

تفسير جوامع الجامع

وقَولُهُ : ( قَلِيلاً ) و ( مِنَ الَّليْلِ ) وزيَادةُ ( مَا ) المؤَكِّدَةِ لذلك ، أي : يُحْيُونَ اللَّيلَ مُتَهجِّدينَ فإذا سَحَروا أَخَذُوا في الاستغفَارِ ، كأنَّهم أَسْلَفُوا في ليلِهِم الجَرائِمَ ، وقَولُهُ : ( هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) فيه : أَنَّهم هم المخْتَصُّون بالاستغفَارِ لاسْتِدَامَتِهِم لَهُ . السَّائِلُ : هو المستَجْدِي ، وَالْمَحْرُوم : الذي يُحْسَبُ غَنيَّاً فَيحرمُهُ النَّاسُ لِتَعفُّفِهِ . وعن النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لَيْسَ المسكينُ الَّذي تَردُّهُ الأَكْلَةَ والأَكْلَتَانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ ، قَالُوا : فَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ : الذي لا يَجِدُ ولا يُتَصَدَّقُ عَليه ( 1 ) . وقيلَ : هو المُحَارِفُ الذي لا يَنْمى لَهُ مَالٌ ( 2 ) . ( وَفِي الأَرْضِ ءَايَتٌ ) دَلالاتٌ دالَّةٌ على الصَّانِعِ وكَمَالِ قُدْرتِهِ وبَدَائعِ حِكْمَتِهِ بِمَا فيها من السَّهْلِ والجَبَلِ والبَرِّ والبَحْرِ ، وأَنْواعِ النَّباتِ والأَشْجارِ ، بالثِّمارِ المختَلَفِ أَلْوانها وطُعُومها ورَوَائِحها ، الموافِقَةُ لحَوَائجِ سَاكِنيِها ومَنَافِعِهِم ومَصَالِحِهم ، وما أُنْبِتَ في أَقْطارِها من أَنواعِ الحَيَوانِ المختَلِفَةِ الصُّورِ والأَشْكالِ ، وغَيْر ذلكَ ( لِلْمُوقِنِينَ ) المُوَحِّدينَ النَّاظرينَ المتأمِّلينَ ببصَائِرِهِم . ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ ) في مبتَدَأ أَحْوالِها وتَنَقُّلِها من حال إلى حال ، وما رُكِّبَ في ظَواهِرِها وبَوَاطِنِها من عَجَائِبِ الفَطْرِ وبَدَائعِ الحكَمِ ما تُحَارُ فيه العُقُولُ ، وحَسْبُكَ بالقُلُوبِ وما ذُكِرَ فيها من لَطَائِفِ المَعَاني ، وبالأَلْسُنِ والنُّطْقِ ومَخَارجِ الحُرُوفِ ، وبالصُّوَرِ والطَبَائِعِ والأَلْوانِ واختلافِها في كلِّ إنْسان ، وبالأَسْماعِ والأَبْصَارِ وسَائِرِ الجَوَارحِ ، وما رُتِّبَ فيها من فُنُونِ الحِكْمَةِ :

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند : ج 2 ص 393 و 457 عن أبي هريرة . ( 2 ) قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك . راجع التبيان : ج 9 ص 384 .